أبي منصور الماتريدي
233
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أو أن يقال : لا تنازعوا ؛ لأنكم إذا تنازعتم تباغضتم ، فيفشلكم التباغض بأنفسكم ، في الجهاد مع العدو ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ . قال بعضهم « 1 » : [ يذهب ] « 2 » نصركم وظفركم . وقال بعضهم « 3 » : تذهب ريح دولتكم . ويحتمل : [ رِيحُكُمْ ] « 4 » الريح التي بها تنصرون ، وعلى ذلك ما روي عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور » « 5 » ، وهو ما ذكرنا : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [ الأحزاب : 9 ] . وقوله : وَاصْبِرُوا . أي : اصبروا للجهاد ولقتال عدوكم . إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ . بالنصر والظفر . وفي هذه الآية تأديب من الله للمؤمنين ، وتعليم منه لهم فيما ذكرنا ، أي : في أمر الحرب وأسباب القتال والمجاهدة مع العدو ؛ لأنه أمرهم بالثبات ، وأمرهم بذكر الله ، ونهاهم عن التنازع والاختلاف ، وذلك بعض ما يستعان به في الانتصار على عدوهم . وقوله - عزّ وجل - : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ . قوله : بَطَراً ، أي : كفرا بنعم الله ؛ كقوله : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً . . . [ النحل : 112 ] الآية ؛ فعلى ذلك خرجوا من ديارهم كفرا بأنعم الله ؛ لأنهم خرجوا إلى قتال محمد ، وهو من أعظم نعم [ الله على خلقه وهم كفروا تلك النعم حيث خرجوا لقتاله . وكذلك قالوا في قوله : بَطِرَتْ مَعِيشَتَها [ القصص : 58 ] أي : كفرت .
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 261 ) ( 16178 ) ، ( 16179 ) ، ( 16180 ) عن مجاهد ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 343 ) وزاد نسبته للفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 253 ) ونسبه للأخفش ، وكذا ابن عادل في اللباب ( 9 / 533 ) . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) أخرجه البخاري ( 2 / 520 ) في كتاب الاستسقاء ، باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : نصرت بالصّبا ( 1035 ) ، ومسلم ( 2 / 617 ) في كتاب الاستسقاء ، باب في ريح الصبا .